صدر الدين محمد الشيرازي ( صدر المتألهين )
148
شرح أصول الكافي
الشرح وجه كل شيء هو الّذي يتوجه به إلى الله ، وذلك لما سبق ذكره من أن الله خلق الموجودات متوجهة إلى غاياتها وجعل لكل منها ميلا وشوقا طبيعيا أو أراد يا إلى كماله وقوة غريزية لطلب ذلك الكمال اعني غايته التي لأجلها خلق ، ولكل غاية أيضا غاية أخرى فوقها حتى ينتهى إلى غاية الغايات ومنتهى الأشواق والطلبات لأنه خير الخيرات كلها ، كما أن لكل مبدأ مبدأ حتى انتهى إلى مبدأ المبادى وسبب الأسباب ومسببها من غير سبب ، ولا بد ان يكون مبدأ المبادى هو بعينه غاية الغايات ، إذ لا يمكن ان يكون في الوجود موجودان كل منهما في غاية الكمال ، إذ لا يكون حينئذ بينهما تمايز في الوجود ولا اثنينية كما مر . فذاته تعالى هو الأول والاخر والمبدأ والغاية لكل شيء . فقد علم أن الأشياء كلها مخلوقة لان يتقربوا إلى الله ويتوجهوا نحوه ، فهم مسافرون إليه سائرون في سبيله متوجهون نحوه كما قال تعالى : وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيها فَاسْتَبِقُوا الْخَيْراتِ « 1 » ، لكن ربما يقع لبعض الأشياء قاطع يقطع طريقه ويضل سبيله فيهلك أو يهوى سيما نوع الانسان فان قواطع طريقه وأسباب ضلالته أكثر من أن تحصى . فإذا تقررت هذه المعاني فنقول : معنى الآية إشارة إلى أن كل شيء له وجه يتوجه به إلى مطلوبه وغايته فهو يوجب بقائه ، ووجه اخر به ينفك عن طريقه ويتخلف عن الوصول إلى كماله فهو يوجب هلاكه وفساده . وقد علمت أن الشيء مع غايته بالكمال والوجوب ومع ذاته بالنقص والامكان ومع مغايرته بالفساد والبطلان . وقد علمت أيضا ان كمال الانسان منوط بمعرفة الله وطاعته وعبادته وهي غايته التي لأجلها خلق كما في قوله تعالى : وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ « 2 » ، وهي وجهه الّذي يوجب بقائه الأخروي وسعادته السرمدية ، وترك الطاعة والجهل بربه يوجب هلاكه السرمدي ، وتحصيل ذلك الكمال لا يمكن لغير الأنبياء عليهم السلام
--> ( 1 ) . البقرة / 148 ( 2 ) . الذاريات / 56